مرحباً بكم في مدونة نيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة وتوابعها وهى تشمل عظاته ومحاضراته التي يلقيها على طلبة الكلية الإكليريكية وصوره وأعماله في الإيبارشية وموضوعات أخرى

الأحد، 28 فبراير 2010

أمير يترك قصرة ويرعى الخنازير




في حديقة مترامية الأطراف، تتلاقى في جوانبها الأشجار وتتعانق الأغصان، وتُعطر فضاءها رائحة الزهور، كان يوجد قصر بديع فسيح، طلى الحب جدرانه، وغطى الحنان بلاطه، وكست تيجان الورود أعمدته في هذا المكان المعبق بأرواح الملائكة الحائمة في الفضاء، عاش الابن الضال ينظر الرياحين وهى تتمايل مرنمة أناشيد سليمان والعصافير مغردة مزامير داود..


ولكن عطر الربيع لا يدوم فقد أتى الخريف بزوابعه، فالفتى الغض الذى لم يذق بعد خمر الحياة ولا خلها يحرك جناحيه ليطير، سابحاً في فضاء واسع ملبد بالغيوم، وفى يوم قضى النهار أنفاسه بين تلك الحدائق، وغابت الشمس تاركة على الأشجار قبلة صفراء، جلس الابن وحده يتخيل مناظر هى في الحقيقة أشباح، فشعر بعاطفة غريبة بثتها أرواح الشر في قلبه، الذى اختلت نبضاته، ثم أخذت تنمو إلى أن لفت بذيلها السام الطويل عنقه كانت هذه الفكـرة الخبيثة الجهنمية أول فصـل فى رواية الابـن الضـال مع الخطيئة!


لقد ترك الابن قصر أبيه ليحيا كعصفور ميت فى زاوية قفص حبكت ضلوعه يد شيطان ماهر، وينطلق الابن مسرعاً فى طريق الموت، كما لو كانت أجنحة شيطانية قد حملته إلى بقعة انبثقت من الجحيم، فعاش بين قوم عراة من الفضيلة، فى مكان لا تظهر فيه الشمس ولا يطلع فيه القمر، بل يتشح بظلام وظلام، فبانت تلك الخرائب كأنها جبار يهزأ .

فى تلك اللحظات شعر وكأن يد حريرية تبسط ثوبها على رأسه العارية لتغطى عاره، فنظر إلى السماء نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس، فرأى طيف أبيه وتذكر عندما كان يسير معه والعفاف ثالثهما، والحب صديقهما، والقمر رقيبهما، ويعود الابن ويعانقه أبوه ويقبّل عينيه راشفة الدمع، وقال بصوت ألطف من نغمه الناي: إبني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد


وهكذا استيقظت الروح النائمة لأن فجر التوبة قد لاح ولم يعد أحد يسكب قطرة من مرارة الحزن، أو يذرف دمعة من دموع اليأس، لأن نسيم الصباح قد مر لتعود الحياة للزهور الحزينة النائمة!

لقد ذهب إلى كورة بعيدة ليشرب كأس الموت، فلمت الشمس وشاحها الذهبي، وجلست أسرته تذرف الدمع على طين داسته الأقدام لكنه عاد فعادت الشمس هى الأخرى تُشرق بأشعتها المذهبة لتعيد إليهم الحياة، ومشى الحبيبان – الابن وأبوه – يتعانقان بين الورود والأشجار، وقد علق كل منهما على عنقه قلادة من ذهب قد كُتب عليها:


لقد جمعنا الحب فمن يفرقنا!

الجمعة، 22 يناير 2010

ربي يسوع



إنَّ حياتك على الأرض هى رحلة مع الآلام، بدايتها كانت فى بيت لحم حيث آلام الفقر والغربة، ونهايتها على الجلجثة حيث آلام الصلب والفداء، فأين سطور الفرح في كتاب حياتك؟ لقد أبادها الألم! ألم يحكْ الإنسان من ظلمة الليل رداءً كثيفاً مُبطّناً بأنفاس الموت، لكي يستر به أضلع يسوع يوم ميلاده، وها السماء يوم صلبه تنسج ثوباً من أشعة الشمس المُظلمة، وتُلقيه على جسد خالقها!
لقد وُلِدت شُجيرة صغيرة لم تُقلّمْ أغصانها بعد، فما أن أتت الثمرة حتى سقطت ميتة فى أرض الأحياء، ألست أنت بكر مريم الذي طوّقته بذراعيها، كما تُطوّق الصدفة درّتها الثمينة، فلماذا لا تساوى الجوهرة فى نظر صالبيك سوى ثلاثين من الفضة؟!

وفى شبابك لم يأسرك المال أو تستعبدك السلطة، بل قلت للشاب الغنيّ " لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ " (لو58:9)، فالفقر لم يكن حليف طفولتك فقط، بل صديقاً رافقك على الأرض كل أيام حياتك، فعشت الحياة بعد أن حررتها من آلام الغنى، فكانت بسيطة لا يشوبها الطمع، أو يُرهقها الجشع، أو تُمزّقها الأنانية، ولهذا تمتّعت بالحياة كأنّك تملكها كلها، فكنت تُصلّي فى البساتين وعلى الجبال، وتجلس تحت أغصان الكروم، تتأمل ذاتك الكرمة الحقيقية التى ستدخل المعصرة لتخرج ترياقاً يشفي البشرية من آلامها! فعلّمتنا أنَّ الحياة تتحول إلى سجن كبير إذا غلّف المال جدران بيوتنا!

أمَّا فى جثسيماني فقد خرجت الخطايا من شقوق الضمائر، تُجرجر فى خزي قُبح معاصيها، تفح كالأفاعي لَعَلَّها تقضي على الحمل الوديع، قبل أن ينقض هو عليها ويمحوها، الأمر الذى جعل عروقه تتفجر حزناً " وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ! " (لو44:22)، فصار الألم كزلزال حَبَلتْ به الأرض فتمخّضت متوجّعه، تريد أن تلد الخراب والشقاء، ولكنها على غير عاداتها لم تلد سوى الخلاص!

إنَّ الحُب هو الذى جعلك تتألم من أجلنا، ولولا حُبِّك لجرَّدت نفسك من الأقمطة فى المزود وعدت إلى عرش مجدك، ولولا الكآبة التي في أعماقنا جميعا لَمَا كان ممكناً أن تُقيم لحظة على أرض الألم، تبكي وتنوح على خطايا لم تفعلها، وكل إنسان إذا أحب غيره بإخلاص تحوّل الألم من أجله إلى طاقة عطاء وبذل، فالحُب هو المُحرقة التى تُقدّس الألم، ولذلك فإنَّ العرق والدم المتساقط عليك، كان يكتب على جسدك المُمزق بالسياط، أسمى كلمات الصفح والغفران التى هى رمز المحبّة الصادقة.

فيا ملك الحُب، أيها القلب السماويّ، هنا وهناك، بين الميلاد والكفن... أرى أولادك كطيور السماء يُسبّحون، وكزنابق الحقل يبتسمون ويُرددون صدى أُنشودتك، إلاَّ أنَّ العالم يصلبهم كل يوم!! لكننا لن نُطالبك بآية مثل الفريسيين لكي نؤمن بك، فالحُب الذي أنزلك من السماء وأصعدك على الصليب هو آية الآيات!

أعترف يارب بأنَّ جميع الأنهار لن تقدر أن تذهب بذكراك الخالدة من قلبي، لأنَّك قد أحببتنا وكان قلبك معصرة، أمَّا أنا والجميع ففى استطاعتنا أن نتقدم إليك بكؤوس حُبنا فنشرب وترتوي نفوسنا، ولهذا ففي كل عام أنتظر أُسبوع آلامك ليزور الربيع وادي قلبي، أنتظر رائحة ورودك لتتهلل روحى، ومهما تقلّبت الفصول فلم تعد لها سلطان أن تمحو جمالك من عالمي، أو تقلع أزهارك من بستان قلبي!

سوف أجعل من قلبي بيتاً لجمالك، وصدري قبراً لآلامك، سوف أُحِِبّك محبة الزهور للربيع، وأرتفع على صليبك، لكى لا أرى الجماجم المطروحة بين الصخور، والأفاعي السامة المنسابة بين الجحور.. فاعطنى يارب كلمات من ذهب ذات أحرف من نور، واجعل من كلامى ناراً تُلهب قلوب سامعيها، كواكب مضيئة تبحث عن ظلمة النفس لتنيرها، أمَّا رنين صوتى فليكن كالماء العذب فى أرض جافة، وحتى إن وصلت كلماتي إليكم وصول الكسيح الذي يدب على العصا، فلن أخجل لأنَّي أُريد أن أتكلم بما يجول بفكرى عن آلام سيدي.

فيا من عُلقت على الصليب أُذكر ضعفنانا وأنعم علينا ببركات صليبك المقدس، وبارك هذه التأملات المتواضعة التى أردت أن أعّبر بها عن رحلة آلامك المقدسة حُبّاً بنا ورغبة فى خلاصنا، آمين.