مرحباً بكم في مدونة نيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة وتوابعها وهى تشمل عظاته ومحاضراته التي يلقيها على طلبة الكلية الإكليريكية وصوره وأعماله في الإيبارشية وموضوعات أخرى

الأحد، 10 أبريل 2011

جلسة وداعية بين المسيح وتلاميذه


فى الحقيقة إن الإنسان لابد أن يتردد كثيرا قبل أن يتكلم عن جلسة وداعية بين المسيح وتلاميذه 0 فنسال أولا :
أحقا ودع المسيح تلاميذه ؟
الوداع معناه الترك 0 والمسيح لم يتركهم مطلقا ، هذا الذى قال لهم ( حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى ، فهناك أكون فى وسطهم ) ( مت 18 : 20 ) وهو الذى قال لهم أيضا قبيل الصعود ( ها أنا معكم كل الأيام والى انقضاء الدهر ) ( مت 28 : 20 ) ولكنه على أية الحالات كان تركا بالجسد ، والى حين 0

ومع ذلك كان الأمر صعبا عليهم 0 وكان الرب يعرف هذا ، لذلك جلس معهم يخفف عليهم ويعزيهم كان يعرف أن هذا الأمر صعب عليهم 0 ويظهر هذا من قوله لهم ( لانى قلت لكم هذا ، قد ملا الحزن قلوبكم ) ( يو 16 : 6 ) فما هو هذا الأمر الذى قاله لهم فحزنوا ؟ انه قوله لهم ( أما الآن فأنا ماض إلى الذى ارسلنى )
كان لابد أن يواجههم الرب بالواقع الذى سيحدث 0000
ثم بعد ذلك يعالج تأثير هذا على مشاعرهم 0

أما عن هذا الواقع ، فقال لهم ( يا اولادى ، أنا معكم زمانا قليلا بعد 0 وكما قلت لليهود : ( حيث اذهب أنا لا تقدرون انتم أن تأتوا ) ( يو 13 : 23 )
وكان لابد أن يرد على سؤالهم الذى يقولونه:
( إلى أين تذهب ؟ ) ( يو 13 : 36 ) 0
( لسنا نعلم أين تذهب ؟ ) ( يو 14 : 5 ) 0
كان لابد أن يجيب المسيح ، وبصراحة 0 فبماذا أجاب ؟
قال : أنى ذاهب إلى الاب ( يو 16 : 16 ) 0
وبعد قليل لا تبصروننى ( يو 16 : 17 ) 0 وماذا أيضا ؟
إنكم ستبكون ، والعالم يفرح ( يو 16 : 20 )
وكان لابد أن يقول لهم حقيقة أخرى ، بالإضافة إلى ذهابه وهى : إن كانوا قد اضطهدونى ، فسيضطهدونكم ) ( يو 15 : 20 )
ولتعزيتهم أعطاهم الرب رجاء فى كل شئ 0
فمن جهة ذهابه ، سيرونه مرة أخرى

إن عبارة ( لا تبصروننى ) أو ( لا تروننى ) هى نصف الحقيقة ، النصف المؤلم 0 فما هو النصف الآخر المعزى ؟ قال لهم الرب ( بعد قليل لا تبصروننى 0 ثم بعد قليل أيضا تروننى ( يو 16 : 17 ) ( وبعد قليل لا يرانى العالم 0 واما انتم فتروننى ) ( يو 14 : 19 ) معنى أن العالم لا يراك ، انك ستموت 0 فكيف نراك نحن إذن ؟ يجيب المسيح عن هذا الفكر 0 بقوله ( أنى أنا حى ) ( فى ذلك اليوم تعلمون أنى أنا فى أبى ، وأبى فى ) (الذى يحبنى 0000اظهر له ذاتى )

أعطاهم إذن فكرة عن قيامته ، وانهم سيرونه 0
كان قد لهم إن ابن الإنسان سيصلب ، وفى اليوم الثالث يقوم ( مت 16 : 21 )
( مت 20 : 18 ، 19 ) 0وهو اليوم يؤكد لهم هذه الحقيقة فى عبارات كلها حب :
( لا أترككم يتامى 0 انى آتى إليكم ) ( يو 14 : 18 ) 0نصف الحقيقة ( إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح ) فما هو النصف الآخر المضئ إذن ؟ انه ( ستحزنون ، ولكن حزنكم سيتحول إلى فرح 000ساراكم أيضا ، فتفرح قلوبكم 0 ولا ينزع أحد فرحكم منكم )
( يو 16 : 20 ، 22 )

عجيب هو الرب ، انه فى وداعة ، يتحدث عن الفرح 0
كان يؤلمه جدا حزن تلاميذه بسبب فراقه لهم 0 انه يعرف تماما مقدار محبتهم له 0 أما عن محبته هو ، فيكفى قول الكتاب عنها (إذ كان قد احب خاصته الذين فى العالم ، احبهم حتى المنتهى ) ( يو 13 : 2 ) وقلب الرب حساس جدا من جهة راحة هؤلاء الذين يحبهم ويحبونه 0 لذلك يقول لهم هنا : لا أترككم يتامى 0

عبارة ( يتامى ) هنا ، تشعرهم بأنهم أولاده 0
وهو فى هذه الجلسة يستخدم أيضا تعبير ( يا اولادى )
(يا اولادى ، أنا معكم زمانا قليلا بعد ) ( يو 13 : 33 )
انتم اولادى ، وأنا اعلم أنكم تتيتمون من بعدى ، ولكنى لا أترككم يتامى ، ولا أترككم حزانى ، ساتى إليكم 0 سأراكم فتفرح قلوبكم ، وأقول لكم إن حزنكم هو إلى حين ، وحين بسيط ، فبعد قليل ستروننى 0

انتم لست فقط اولادى ، بل احبائى أيضا 0
( انتم احبائى ، إن فعلتم ما أوصيتكم به 0 لا أعود اسميكم عبيدا 00لكنى قد سميتكم أحباء ) (يو 15 : 14 ، 15 ) أنا سأضع نفسى عنكم ( ليس لاحد حب اعظم من هذا ، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه ) ( يو 15 : 13 ) ( كما احبنى الأب أحببتكم أنا 0 اثبتوا فى محبتى )
( لو 15 : 9 )

جميل أن تكون جلسة الوداع ، هى حديث حب كهذا 0
ويضيف الرب فى تعزيته لهم تشبيها جميلا ، فيشعرهم انه لا انفصال بينه وبينهم ، وهو علاقة الكرمة بالأغصان

فيقول لهم ( أنا هو الكرمة ، وانتم الأغصان ) ( يو 15 : 5) إننا معا ، ( انتم فى ، وأنا فيكم ) علاقتى بكم ، كعلاقة الرأس بالجسد 0 لستم غرباء عنى 0 اثبتوا فى وأنا فيكم ن كما يثبت الغصن فى الكرمة ، حينئذ لا يكون وداع بينى وبينكم ، لانه لا يكون فراق أبدا

ما أجمله تشبيه ، كله حب وعاطفة وعزاء فى ساعة كهذه مبارك أنت يارب فى كل تعزيانك الجميلة يضيف أيضا بان ذهابه هو للفائدة وللفرح 0

فيقول لتلاميذه ( لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع 0 سمعتم انى قلت لكم انى ماض ، ثم آتى إليكم 0 لو كنتم تحبوننى ، لكنتم تفرحون لانى قلت أمضى إلى الاب ) (يو 14 : 27 ، 28 )
نعم ، لانه بهذا تنتهى عبارة ( أخلى ذاته ) (فى 2 : 6 ، 7 ) هناك سأرجع إلى ما قبل إخلاء الذات ، وذلك اعظم 000لذلك إن كنتم تحبوننى ستفرحون انى أمضى 0

ثم أن ذهابى نافع لكم ، لاعد لكم مكانا 0
( لا تضطرب قلوبكم 000 فى بيت أبى منازل كثيرة 00 أنا أمضى لاعد لكم مكانا 0وان مضيت واعدت لكم مكانا ،أتى أيضا وأخذكم إلى حتى حيث أكون أنا ، تكونون انتم أيضا )
( يو 14 : 1-3 ) نعم ، سنكون معا باستمرار

ولكن وجودنا الدائم معا ، سيكون هناك وليس هنا 0
لا تضطرب قلوبكم ، فهذا افضل 0 أما هنا ، فأنى اترك لكم سلامى ( سلامى اترك لكم 0 سلامى أنا أعطيكم ) ( يو 14 : 27 ) انه سلام من نوع آخر ، سلام روحى ثابت ، ليس كالسلام الذى يعطيه العالم لكن كيف يكون لنا سلام يارب ، وأنت بعيد عنا ؟

هنا الفائدة الثالثة من ذهابى 0 أرسل لكم الروح القدس :
وقد افاض الرب فى حديثه عن هذه النقطة بالذات :
فقال لهم 0 وقد كرر عبارة ( المعزى ) اكثر من مرة 0 فقال لهم :
( لانه إن لم انطلق ، لا يأتيكم المعزى 0 ولكن إن ذهبت أرسله لكم ) ( يو 16 : 7 ) ، لذلك :

( أقول لكم الحق ، انه خير لكم أن انطلق ) ( يو 16 : 7 )
( واما المعزى الروح القدس الذى يرسله الاب بأسمى ، فهو يعلمكم كل شئ ، ويذكركم بكل ما قلته لكم ) ( يو 14 : 26 ) ( ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الاب ، روح الحق الذى من عند الاب ينبثق فهو يشهد لى ، وتشهدون انتم أيضا ) ( يو 15 : 26 )
( ومتى جاء ذاك ، روح الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق ) ( يو 16 : 13 ) وأضاف الرب فى تعزيته لتلاميذه ، بان هذا الروح المعزى سيمكث معهم إلى الأبد ، وسيكون فيهم
( يو 14 : 16 ، 17 ) هذا يذكرنا أيضا بما قاله لهم قبيل الصعود ( ولكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم ، وحينئذ تكونون لى شهودا ) ( أع 1 : 8 ) 00 كان الحديث عن الروح القدس تعزية كبيرة للتلاميذ 000000

نلاحظ فى وداع المسيح لتلاميذه انه كان صريحا معهم
أراد أن يعزيهم على أساس الحق والواقع ، ويقوى قلوبهم ولكن بدون إخفاء الحقائق ، كما كان صريحا معهم من جهة أخطائهم ومن جهة المتاعب التى ستصادفهم ، بعد صلبه 0

كان هذا نافعا لهم من جهة الإيمان ، واتقاء المفاجأة0
قال لهم ( أقول لكم الآن قبل أن يكون ، حتى متى كان تؤمنون ) ( يو 13 : 19 )
( يو 14 : 29 ) ( كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرونى انى قلته لكم )
( يو 16 : 4 )

كان صريحا معهم فى ذكر ما سيصدر عنهم من أخطاء 0
قال لهم إن الشيطان مزمع أن يغربلكم ، وإنكم كلكم تشكون فى هذه الليلة ، وقال تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونى وحدى 0 وقال لبطرس ستنكرنى ثلاث مرات

وحتى يهوذا قدم له الرب تحذيرات 0 فقال واحد منكم سيسلمنى ، وحدد ذلك بقوله الذى اغمس أنا اللقمة وأعطيه ، وقال له موبخا ( ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة
(يو 13 : 21 ، 26،27)

وكان صريحا معهم فى ذكر المتاعب التى سيتعرضون لها 0
فقال لهم ( إن كانوا قد اضطهدونى فسيضطهدونكم ) ( إن كان العالم يبغضكم فاعلموا انه قد ابغضنى قبلكم ) ( لأنكم لستم من العالم لذلك يبغضكم العالم ) ( يو 15 : 18-20 ) بل قال لهم اكثر من هذا ( سيخرجونكم من المجامع ، بل تأتى ساعة يظن فيها كل من يقتلكم انه يقدم خدمة لله ) ( يو 16 : 2 ) حقا إن الصراحة فى هذه الأمور افضل لذلك قال لهم فى هذا المجال ( قد كلمتكم بهذا لكى لا تعثروا إن السيد المسيح واضح فى هذا الأمر منذ البداية ، منذ حديثه عن الباب الضيق وعن حمل الصليب 0 ولكنه أيضا يخلط الحديث عن الضيقة بالعزاء فيقول لهم ( فى العالم سيكون لكم ضيق 0 ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم )

( يو 16 : 23 ) وما دام قوتى معكم ستغلبونه 000
نلاحظ فى هذه الجلسة الوداعية ، انه أعطاهم وعودا كثيرة :
بعضها من جهة ظهوره لهم مثل ( أنا آتى إليكم ) ( بعد قليل تروننى )
( اعد لكم مكانا 00 آتى وأخذكم إلى 0000) 00000ووعود أخرى من جهة إرساله الروح القدس إليهم ، وعمل هذا الروح فيهم ومكوثه معهم إلى الأبد 0000 وأيضا وعود أخرى من جهة طلباتهم ، فقال لهم ( كل ما طلبتم من الاب بأسمى يعطيكم )

( اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملا ) ( يو 16 : 23 ، 24 ) ( مهما سألتم بأسمى ، فذلك افعله 0000ان سألتم شيئا بأسمى فأنى افعله ) ( يو 14 : 13 ، 14 ) ولعل من الوعود المعزية جدا ، والعجيبة أيضا ، قوله لهم : ( الحق الحق أقول لكم : من يؤمن بى ، فالأعمال التى أنا اعملها ، يعملها هو أيضا ، ويعمل اعظم منها ) ( يو 14 : 12 )
وفى جلسته الوداعية معهم ، زودهم بوصايا 0

فمن جهة علاقتهم ببعضهم البعض ، أعطاهم وصية واحدة لا غير وهى ( هذه هى وصيتى ، أن تحبوا بعضكم بعضا ) والى اى حد يارب يكون هذا الحب ؟ فيكمل وصيته قائلا :
(أن تحبوا بعضكم بعضا ، كما أحببتكم ) ( يو 15 : 12 ) ومن يستطيع هذا ، أن نحب بنفس الحب الذى أحببتنا به ، حتى بذلت ذاتك عنا ، الحب الذى قيل فيه ( احب خاصته الذين فى العالم ، احبهم إلى المنتهى ) ( يو 13 : 1) ولكن الرب يكرر نفس الوصية ، فى نفس الجلسة الوداعية : ( وصية جديدة أنا أعطيكم ، أن تحبوا بعضكم بعضا 0 كما أحببتكم أنا ، تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا ) ( يو 13 : 34 ) ويعتبر الرب أن هذه المحبة التى مثل محبته ، علامة التلمذة له ، فيقول ( بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذى ، إن كان لكم حب ، بعضكم لبعض ) ( يو 13 : 35 )
انه مستوى سامى جدا من الحب ، يطلبه الرب منا 0

نحب بعضنا بعضا ، كما أحببنا هو 0 وكيف احبنا هو ؟ يعمق الرب مفهومنا لهذا الحب ، فيقول
( كما احبنى الاب ، كذلك أحببتكم أنا اثبتوا فى محبتى ) ( يو 15 : 9 ) أصارحك يارب أن الأمر قد ازداد صعوبة فى الفهم ، أو صعوبة فى التنفيذ ، وهنا نعرض وصية المحبة كما أعطيت لنا ، فى ثلاث نقاط :

ا- الاب احب الابن ( وهى محبة غير محدودة بلا شك )
ب- والابن احبنا ، بنفس المحبة ( غير المحدودة ) التى احبه بها الاب
ج- والمطلوب أن نحب بعضنا بعضا بهذا الحب 0
ها مطانية يارب أمامك 0 اعترف أننا لم نصل ولن نصل مطلقا إلى مستوى هذا الحب 0 حقا إنها وصية جديدة 0

جديدة فى مفهومنا ، وجديدة فى مستواها ، جديدة فى هذا التشبيه الذى شبهت به 00 إننا مهما أحببنا ، ومهما بذلنا ، فلن نصل إلى محبه الابن لنا ، أو إلى محبة الاب للابن 0 لهذا نتضع أمامك ، ونطلب أن تسكب فينا هذا الحب من عندك ، من الروح القدس ، لان الطاقة البشرية وحدها لا تستطيعه 0000نحب بعضنا بعضا ، كما احبنا ! وكيف ذلك ؟

لقد احب المسيح تلاميذه ، فى محبتهم له ، وفى ضعفاتهم 0
كما احبهم وهم يحبونه ، احبهم أيضا فى خوفهم وفى ضعفهم وفى هروبهم 0 قال لبطرس ستنكرنى ثلاث مرات 0 ولم يقل ذلك فى انفعال ، ولا فى غضب ، إنما فى حب وإشفاق ، وهو يقول معها ( طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك ) انه يحبنا فى سقطاتنا وضعفاتنا ، لكى يخلصنا من هذه السقطات والضعفات 000 ( وفيما نحن خطاة ، مات المسيح لاجلنا )

( رو 5 : 8 ) وفى البستان ، حينما تركوه وحده وناموا ، قابل أيضا ضعفهم بإشفاق ، ونسب الضعف إلى الجسد فقط ، وقال عنهم ( الروح نشيط ، أما الجسد فضعيف )
( مت 26 : 41 ) (ناموا الآن واستريحوا ) وسيأتى الوقت الآن ضعفاء 0هذا حق 0 لذلك
لا تبرحوا أورشليم حتى تلبسوا قوة من الاعالى ) (لو 24 : 49 ) وهذه القوة ستنالونها حين يحل الروح القدس عليكم ،حينئذ تكونون لى شهودا ) ( أع 1: 8 )
أنا لا احتقر الضعف ، إنما فى حبى امنح القوة 0
هذه محبتى لكم 0 فماذا ستكون محبتكم لى ؟

سأضرب لكم مثال لهذه المحبة ( أنا الكرمة ، وانتم الأغصان ) ( يو 15 : 5 ) إذن نحبك يارب ، كما يحب الغصن كرمته ، إذ لا حياة له بدون الثبات فى الكرمة 0ان انفصل عنها يجف ويموت 0 لذلك قال لهم الرب فى جلسته الوداعية ( اثبتوا فى محبتى ) ( الذى يثبت فى وأنا فيه ، هذا ياتى ثمر كثير ) ( يو 15 : 5 ) وماذا عن الذى لا يثبت ؟ قال الرب لهم

( إن كان أحد لا يثبت فى ، يطرح خارجا كالغصن ، فيجف ، ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق ) ولذلك ( اثبتوا فى وأنا فيكم ) ( اثبتوا فى محبتى ) ( يو 15 : 4 ، 5 ) ولعل التلاميذ يسألون :
كيف نستطيع يارب أن نحبك ، ونثبت فى محبتك 0
يجيبهم الرب فى هذه الجلسة الوداعية ( إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى ، كما أنى أنا قد حفظت وصايا أبى واثبت فى محبته ) ( يو 5 : 10 ) إذن فالمحبة ليست مجرد عاطفة ، ولا يليق بنا أن نحب بالكلام واللسان 0000) ( 1يو 3 : 18 )

الأحد، 20 مارس 2011

الشيطان يغير خططة


إن الشيطان لا يصر على خط معين فى محاربته للإنسان 0 إنما ما أسهل أن أن يغير خطه وخططه ، إن كان ذلك يوصله إلى سقاط من يريد 0
وسنضرب لذلك بعض أمثلة :
1-شاب كان يحاربه الشيطان بالزنا حرباً عنيفة ويتعبه فيها ويسقطه أحيانا 0 فبدأ هذا الشاب فى حياة توبة ، واصبح يحترس من هذه الخطية بالذات إحتراساً شديداً : يبعد عن كل أسبابها 0 ويسد كل الأبواب التى تأتى منها الخطية ، سواء كانت من القراءات أو السماعات أو اللقاءات 0 وفى نفس الوقت يقوى نفسه من الداخل بكل الوسائط الروحية ، ويصلى إلى الله بدموع لكى ينقذه 0

فماذ يفعل الشيطان إزاء هذا الحرص الشديد من خطية الزنا ؟
يقول : أتركه الآن ، لا أحاربه بهذه الخطية فترة طويلة ، حتى يظن أنه انتصر عليها تماماً ، فلا يحترس من جهتها 0 و لنحارب حالياً بخطية أخرى 00 ويتركه سنة أو إثنتين أو ثلاثاً ، بلا حروب في هذه الخطية ، بلا عثرات ، بلا أفكار . ويلقيه مثلاً في خطية كالكبرياء ... يري المسكين أنه نجا من الزنا ، فيفرح . ويغريه الشيطان بمستوي عال في الصوم ، في القراءة ، ثم في الخدمة ، وفيما هو مستريح الفكر من الخطئة ، ومستريح في منهجة الروحي ، يدعوه الشيطان إلى تطبيق هذا المستوي على غيره . ويريه أنهم مقصرون ، وأنه فاقهم بمراحل ، فيوقعه في الكبرياء . ويدعوه إلى توبيخهم وتبكتهم وإدانتهم :

أبوك لا يصلي . أمك لا تصوم . إخوتك لا يتناولون . أسرتك لا تقرأ الكتاب . إذهب ووبخهم ، وبشدة ... ويمتد نطاق التوبيخ واحتقار الآخرين ، وشتيمة واحتقار هؤلاء وأولئك ، لأنهم بعيدون عن الله ، مع تعالي القلب بما وصل إليه . وفيما هو يحاول أن يخلع الزوان ، يصير هو نفسه زوناً . إذ أصبح باسم الحق يشتم ، ويحتد ، ويدين ويحتقر ، ويتعالي على غيره ، ويسبح في الغرور والكبرياء ، يقول كالفريسي " أشكرك يارب إني لست مثل سائر الناس ... " ( لو18 : 11 ) . وتسأل الشيطان عن خطية الزنا التي أراح منها هذا الشاب ؟

فيجيب : الذي يهلك بالكبرياء ، كالذي يهلك بالزنا . كلاهما هالك .
أليس أن الذي يموت بالسل ، كالذي بالسرطان ، كالذي في عميلة جراحية ؟ كله موت ... والنهاية واحدة ... " تعددت الأسباب ، والموت واحد " ... أما حرب الزنا التي يظن هذا الشاب أنه قد نجا منها ، ففي الحقيقية أن لها يوماً تعود فيه إليه ، حينما يقل يفيق منها . وتسأله كيف ؟ فيقول : في الفترة التي استراح فيها الشاب من حرب الزنا ، ظن أنها فارقته بلا عودة ، ولم يعد لها وجود في حياته ، وأنها من الخطايا التي تحارب المبتدئين فقط . ولا يعقل أن تحارب المستويات العليا التي وصل إليها ! بل إن كثيريرن أصحبوا يسترشدون به في مقاومة هذه الخطية .

وهكذا أصبح يسمع تفاصيل عن هذه الخطية ما كان يسمح لنسه أن يسمعها من قبل . وبعض أمور خافيه عن معرفته صار يقرأ لها كتباً في هذا الموضوع المعثر ، ليرد على أسئلة سائليه ، وما كان يقرأ هذه القراءات مطلقاً فى فترة حرصه واحتراسه ! وهكذا امتلأ ذهبه بأفكار صارت تترك فى نفسه مشاعر وتأثيرات ، تنمو بمرور الوقت وهو لا يدرى . إلى جوار أنه بسبب الكبرياء وإدانة الآخرين ، بدأت النعمة تتخلى عنه . وهنا أتت الساعة التى يضربه فيها الشيطان بهذه الخطية بالذات . ويسهل عليه إسقاطه . وتكون خطة الشيطان قد نجحت على الرغم من تغييرها فى الطريق ...

وهنا يقول الشيطان : إننى أرحته زمناً من هذه الخطية ، لكى لا يستعد لها . وحينما لا يستعد لها ، لا يدقق . وفى عدم تدقيقه يتساهل مع الخطية وأفكارى . وفى هذا التراجى وتساهله مع ، أضربه بالخطية التى استراح منها سنوات . فيسقط بسهولة هذا هو الشيطان ... ! قد لا يحاربك الآن بخطية معينة ، ليس محبة منه لك ، إنما لأنه لا يجهز لك فخاً من نوع آخر .

ب - مثال آخر : إنسان.
آخر ساقط فى الخطية الغضب ، وخطية الإدانة ، وخطايا السب والكلام الجارح . بدأ يستيقظ لنفسه ، ويدخل بقوة فى تداريب صمت ، ليتخلص من خطايا اللسان جملة . فماذا يفعل الشيطان ؟
يقول : لا مانع من أن نغير الخطة . وبدلاً من محاربته بخطايا اللسان والغضب ، نحاربه بخطية الغرور مثلاً ... بحيث يقتنع تماماً ، أنه لا يوجد إنسان أفضل منه . وكيف ذلك ؟ نريحه من خطايا اللسان تماماً ، فلا نحاربه بها الآن مطلقاً . وننصحه بشئ من النمو الفجائى فى العمل الروحى ، بلون من المغالاة ، ولا نحاربه فى ذلك .ويظن أن لا يوجد مثله ، فيسلك في الغرور . وربما يختلف مع أب اعترافه الذي لا يوافقه على تطرفه وغروره ، فلا يأبه . ويصبح في وضع لا يخضع فيه لأحد ، لا يطيع أحداً ، ولا يستشير أحداً ، ولا يحترم أحداً .

والغرور يسقطه ويهلكه ، بدون السقوط في خطايا اللسان . ومع ذلك فالغرور سيجعله يصطدم بالآخرين . ولابد سيقع في خطايا اللسان ، حتى بدون شيطان ! فكم بالأولي إذا حاربه الشيطان بها ... إن الشيطان التي تناسبه . إنه يعرف متي يحارب ، وكيف يحارب ، وبأي نوع .. ؟
والذي لا يسقط بهذه الطريقة يسقط بغيرها . والذي لا يسقط في هذه الخطية الآن ، مصيره أن يسقط فيها هي بذاتها ، فيما بعد ، والفخاخ كثيرة ، موجودة ومنصوبة .

ج - مثال ثالث في كيف يغير الشيطان خططه :
- بدأ الصوم الكبير . وكان الشيطان في العام الماضي يقاتل عن الأطعمة الحيوانية ؟! صم بالأحرى عن الخطية ، وحارب الحيوان الذي في داخلك .. لأنه ما فائدة الصوم بدون طهارة ونقاوة ؟! ألا يكون صومك غير مقبول ؟! فأجاب الشاب : بل أنا أنفذ قول الكتاب " إفعلوا هذه ، ولا تتركوا تلك " ( متى23 : 23 ) . فأحاول أن أصوم الصومين معاً . أصوم جسدي عن الطعام ، وأصوم نفسي عن شهوة الخطية " أقمع جسدي وأستعبده " ( 1كو9 : 27 ) بمنعه عن الأطعمة بمنعه عن الأطعمة الشهية ، أتعود بذلك قهر النفس فلا تخطئ .

•قال الشيطان : ولكنك ضعيف ، وصحتك لا تحتمل الصوم . ولابد تحتاج إلى البروتين الحيواني لتعيش ، وبخاصته وأنت في فترة نمو فأجابة الشاب بقول الرب " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان " ( متى4 :4 ) . وتذكر أن آدم وحواء كانا يعيشان على الثمار والبقول ، ثم عشب الأرض ( تك1 : 29 ، 3 : 18 ) . ولم يقل الكتاب إنهما مرضا لنقص البروتين الحيواني ! ...

• قال الشيطان : لا مانع إذن من أن تصوم . ولكن لا داعي لأن تصوم الصوم كله من أوله ، فهذا كثير . وأيضاً لا تضغط على نفسك في الصوم ، لئلا يحاربك الشيطان بالمجد الباطل ! وأنت تعرف حروب الشياطين ، وخطورة ضربات اليمين . أجاب الشاب : لا أريد أن أتهاون . فالرب يدعونا إلى الكمال ( متى5 : 48 ) . ومهما صمت ، ماذا يكون صومي إذا قورن بأصوام القديسين ؟! إنه لا شئ ... وصام الشاب . وحل الصوم هذا العام ، والشاب في تصميمه .

الأحد، 6 مارس 2011

الحب الإلهي



هل أستطيع أن أتحدث عن الله أو أصف حبه؟! لابد أولاً أن أُطهر شفتي بالنار المقدسة، وأزيح عن قلمي تلك الغبار الملوثة، وأشد أوتار قلبي الذهبية وخيوط أفكاري الفضية॥ لكي تُعطيني القواميس الإلهية كلمات روحية أصف بها حب ربي! وإلاَّ كيف أصف شعلة روحانية تنبثق من قدس الأقداس لتسقط على الأبرار والأشرار كلاهما معاً؟! أو نهـراً بلورياً يسير مترنماً حاملاً في أعماقه أسرار السماء والأرض؟!

من يستطيع أن يصف شمس البر وهو يختفي في صدر الحياة المظلمة؟! أو زهرة السماء وهو يُسحق تحت أقدام الخطاة؟! أو شجرة الحياة وهو يٌقطع من أرض الأموات؟! تُرى من يستطيع أن يصف وجهاً يُعلن في كل دقيقة سراً من أسرار الله، هل يكفى أن نقول إنه أبرع جمالاً من بني البشر!

إن جمال يسوع كان غريباً كحلم لا يفسر أو فكر سماوي لا يُعبر عنه! جمال يسوع لم يكن في شعره المسترسل الذهبي بل في هالة الطهر المحيطة به، ولم يكن في عينيه الواسعتين الممتلئتين بحلاوة الحياة بل في النور المنبعث منهما، ولا في شفتيه الورديتين بل في الكلام العذب الخارج منهما، فيتساقط على قلوب الناس مثلما تتساقط قطرات الندى على تيجان الزهور।

أمام عظـم محبته يترك الفلاسفة كهوفهم المظلمة، والشعراء أوديتهم الخيالية، ويقفون جميعهم على جبلٍ عالٍ، صامتين مصغيين إلى صوت الحب يقول لقاتليه: يا أبتاه أغفر لهم!! فأي إنسان لم يرتشف من كأس حبه في إحدى كاساته؟ أي زهرة لم يسكب الصباح قطـرة من الندى بين أوراقها؟

لقد أحبنا، وبوشاح حبه الطاهر غمرنا، وقد ترك شعلته السمائية تتقد في صدورنا، لتلتهم ميولنا وعواطفنا الأرضية، ولؤلؤته الفريدة في قلوبنا، لتسطع بين انفعالاتنا المظلمة فتبددها॥ ألم تشعر مرة بملامس أيدي حريرية طاهرة، تقبض على روحك في وحدتـك فتمنيت ألا تتحرر من أسرها؟! ألم تتساءل مرة عن سر الأجنحة الروحائية التى رفرفت ولو مرة حول مضجعك، فنمت فرحاً والنور يملأ زوايا غرفتك، وخيالات يسوع تملأ قلبك؟!

وأخيراً مات البار ولف شبابه بالأكفان حباً فيك، وبصمت ينام في قلب الأرض الصامتة لينهض بالروح، ويخرج بجيوشه من الأرض التي تولد فيها الشمس إلى الأرض التي تُقتل فيها الشمس، لأنه سيكون لنا شمس وقمر ونجوم.. فاملأ قلبك بحب من أحبك لتصعد إلى السماء فتُُمسح مسحة روحية ثم يعود إلى الأرض، لا لتحيا كإنسان وإنَّما كملاك يرتدى زى إنسان!

الجمعة، 7 يناير 2011

جاء السيد المسيح ينشر الحب



أهنئكم يا أخوتي جميعا بميلاد السيد المسيح له المجد‏,‏ فميلاده هو بدء خير للبشرية جميعا‏.‏ لست أهنيء المسيحيين وحدهم‏,‏ بل أهنئي المصريين جميعا‏,‏ مسلمين ومسيحيين‏,‏ شاكرا الرئيس محمد حسني مبارك


الذي أمر بأن يكون عيد الميلاد عيدا وطنيا لمصر كلها‏.‏ إن احتفال المسيحيين ينبغي أن يرتفع بكل المقاييس فوق الأحزان‏,‏ لأنه لولا ميلاد المسيح‏,‏ ما كنا نحن مسيحيين‏,‏ وما كانت لنا الكنائس المسيحية والأعياد المسيحية‏,‏ والعقائد المسيحية‏,‏ وعلينا أن نتبع التعاليم التي نادي بها المسيح‏.‏

وأول هذه كلها‏:‏ أن السيد المسيح جاء ينشر الحب‏,‏ وما أعمق قول أحمد شوقي أمير الشعراء‏:‏ ولد الحب يوم مولد عيسي‏...‏
نعم‏,‏ انه حتي السيد المسيح نفسه‏,‏ كان حبا يتحرك في كل موضع مع جميع الناس‏.‏ كل من التقي به‏,‏ نال شيئا من حبه‏,‏ ومن عطفه وحنانه‏,‏ ومن قلبه المملوء بالرقة وبالإشفاق علي جميع الناس‏.‏

ولذلك قيل عنه انه كان يجول يصنع خيرا‏.‏ يري المرضي فيشفيهم‏,‏ والجياع فيطعمهم‏,‏ والمأسورين من الشياطين فيخرجها منهم‏,‏ كان يريح الكل‏,‏ لأنه يحب الكل‏....‏ فمثلا يمر علي مريض بيت حسدا‏,‏ المشلول الراقد الي جوار البركة‏38‏ سنة لا يهتم به أحد‏,‏ فيتحنن عليه‏,‏ ويقول له قم أحمل سريرك وإمش فيقوم ويمشي‏..‏ أو يري أرملة نايين وهي تبكي علي ابنها وحيدها الزعامات‏,‏ فيتحنن عليها ويقيم ذلك الإبن ويدفعه إلي أمه‏.‏

‏**‏ وكان في محبته يهتم بكل المحتاجين‏.‏ ويقول للمهتمين بهم كنت جوعانا فأطعمتموني‏,‏ عطشانا فسقيتموني‏,‏ عريانا فكسوتموني‏,‏ مريضا فزرتموني‏,‏ غريبا فآويتموني‏,‏ محبوسا فأتيتم الي‏.‏ وإذ يسألونه متي يارب رأيناك هكذا؟‏.‏ فيجيبهم الحق أقول لكم لا مهما فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر‏,‏ فبي قد فعلتم‏.‏ وهكذا فإنه لما رأي الجموع تحن عليهم‏,‏ إذ كانوا

منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها‏.‏
والسيد المسيح في محبته للكل‏,‏ فاضت محبته أيضا علي الجماعات التي كانت مستبعدة من اليهود فلا يتعامل معها‏.‏ مثل السامريين الذين كانوا اذا وقع ظل واحد منهم علي يهودي‏,‏ ينجسه‏!‏ هؤلاء أشفق عليهم السيد المسيح‏.‏ وقال لليهود مثل السامري الصالح الذي كان نبيلا أكثر من الكاهن واللاوي وأشفق علي يهودي ملقي في الطريق جريحا بين حي وميت‏..‏ وليس هذا فقط‏,‏ بل زار السيد المسيح مدينة السامرة‏,‏ وظل بأهلها حتي آمنوا‏.‏
ونفس الأمر مع الأمم المحتقرين من اليهود‏,‏ إذ قال عن قائد أممي لم أجد في إسرائيل كله

إيمانا مثل إيمان هذا الرجل
‏*‏ ومن اهتمام السيد المسيح بوصية المحبة‏,‏قال إنها الأولي في الناموس‏(‏ أي في الشريعة‏)‏ اذ تحب الرب الهك من كل قلبك‏,‏ وتحب قريبك كنفسك‏.‏
وتعني كلمة قريبك كل انسان‏.‏ لأن كل البشر أقرباء‏,‏ إذ أنهم جميعا أبناء لأب واحد هو آدم‏,‏ لأم واحدة هي حواء‏.‏

‏**‏ ووصلت قمة الدعوة إلي المحبة عند السيد المسيح الي أنه قال أحبوا أعداءكم‏,‏ باركوا لاعنيكم‏,‏ أحسنوا الي مبغضيكم‏,‏ وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويبغضونكم وإن سأل أحد قائلا‏:‏ ماذا أفعل إن لم أستطع أن أحب عدوي؟ فيكون الجواب‏:‏ علي الأقل إنك لا تكرهه‏,‏ ولا تحمل له حقدا في قلبك‏.‏ بل بالحري تسامحه‏,‏ وتغفر له‏,‏ وتصلي لأجله‏..‏

‏**‏ ومن اهتمام المسيح بالمحبة‏,‏ أنه قال ان الله محبة‏.‏ وقال أيضا هكذا أحب الله العالم أي أنه يحب الكل‏:‏ يحب القريبين منه بسبب برهم‏.‏ ويحب أيضا المبتعدين عنه‏,‏ لكيما بحبه يجذبهم اليه‏.‏ وذلك لأنه لا يشاء هلاك الخاطيء‏,‏ مثلما أن يرجع ويحيا‏..‏ ولأنه لا يعاملنا بحسب خطايانا‏,‏ بل بحسب رحمته‏.‏

‏**‏ ونحن أيضا نحب الله‏,‏ الذي أوجدنا إذ لم نكن‏,‏ والذي يرعانا ويحفظنا‏,‏ ولا نستطيع أن نحصي كل احساناته الينا‏.‏ كما أنه قدم لنا أمثولة عملية في كل فضيلة الي اكتسابها‏.‏ الهنا الغفور الطيب‏.‏

وفي محبتنا لله‏,‏ نطيعه ولا نخطيء اليه ولا الي أي واحد من رعيته‏.‏ بل نحاول في كل وقت أن ننفذ مشيئته الالهية في حدود إمكانياتنا‏,‏ وأن نفعل في كل حين ما يرضيه‏.‏
‏**‏ وفي نطاق وصية الحب‏,‏ علمنا السيد المسيح أن نحب الخير‏,‏ ونحب الغير‏.‏ ويقول لنا الكتاب إن كنت لا تحب أخاك الذي تراه‏,‏ فكيف إذن تحب الله الذي لا تراه؟‏!‏ ـ إذن فعدم محبتنا للناس‏,‏ تعني ضمنا عدم محبة لله الذي خلقهم والذي يهتم بهم جميعا‏..‏

‏**‏ والمفروض أن تكون محبتنا للغير محبة عملية‏,‏ فالكتاب يقول لا نحب بالكلام أو باللسان‏,‏ بل بالعمل والحق‏.‏ وأن تكون أيضا محبة صادقة حقيقية‏,‏ لا رياء فيها‏.‏ ولا مظهرية‏.‏ وأن تكون محبة دائمة‏,‏ لاتبدأ حينا ثم تختفي‏.‏ لأن السيد المسيح يعاتب من يفعل هذا قائلا له عندي عليك انك تركت محبتك الأولي‏.‏ ويجب أيضا أن تكون محبة للجميع‏,‏ وإلا صارت لونا من التحيز‏.‏ وأن نحب فيها الغرباء كما نحب الأقرباء‏.‏

‏**‏ ويعلمنا الكتاب أيضا أن المحبة بطبيعتها تكون بعيدة عن الحقد والإيذاء‏,‏ وأن المحبة تحتمل‏,‏ ولا تطلب ما لنفسها‏,‏ بل ما للغير‏.‏ والمحبة أيضا تظهر في العطاء الذي يصل في قمته إلي البذل‏,‏ بل الي حق بذل الذات لأجل الغير‏.‏

‏**‏ ليتنا نعيش في هذا الحب الذي علمنا المسيح أياه‏.‏ فنحب بعضنا بعضنا‏,‏ ونحب هذا الوطن العزيز الذي نعيش فيه ويعيش فينا‏,‏ ونطلب له السلام من جميع الأعداء المتربصين بنا‏.‏
إن مصر تستحق كل بركة وقد باركها الرب في سفر أشعياء النبي حينما قال مبارك شعبي مصر‏.‏
‏**‏ وبهذه المناسبة نشكر سيادة الرئيس مبارك الذي عزانا‏,‏ والذي هنأنا بالعيد‏,‏ وبهذا العام الجديد‏.‏ ونرجو له ولبلدنا كل خير‏

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

على جبل التجلى


علي جبل التجلي ، وقف ثلاثة يضيئون بنور مجيد وكانوا ثلاثتهم ممن أتقنوا الصوم … إذ صام كل منهم أربعين يوماً وأربعين ليلة إنهم : السيد المسيح له المجد ( متي 4: 2) ، وموسي ( خر 40 : 28 )، وإيليا ( 1 مل 19: 8) ،فهل يختفي وراء هذا المنظر البهي معني هام : وهو انه بقهر الجسد في الصوم ، تتجلي الروح ، ويتجلي الجسد ؟ هل اختار السيد المسيح معه في التجلي إثنين من الصوامين ، ليرينا أن الطبيعة التي ستتجلي في الأبدية ، هي التي قهرت الجسد بالصوم ؟ تري ماذا قيل عن الصوم أيضاً ؟ لقد قيل :

الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية ، فقد كانت الوصية التي أعطاها الله لأبينا آدم ، هي أن يمتنع عن الأكل من صنف معين بالذات ، من شجرة معينة ( تك 2: 16، 17) ، بينما يمكن أن يأكل من باقي الأصناف .

وبهذا وضع الله حدوداً للجسد لا يتعداها .
فهو ليس مطلق الحرية ، يأخذ من كل ما يراه ، ومن كل ما يهواه … بل هناك ما يجب أن يمتنع عنه ، أي أن يضبط إرادته من جهته . وهكذا كان علي الإنسان منذ البدء أن يضبط جسده . فقد تكون الشجرة " جيدة للكل ، وبهجة للعيون ، وشهية للنظر "( تك 3: 60) . ومع ذلك يجب الإمتناع عنها . وبالإمتناع عن الأكل ، يرتفع الإنسان فوق مستوي والجسد ، ويرتفع أيضاً فوق مستوي المادة ، وهذه هي حكمة الصوم.

ولو نجح الإنسان الأول في هذا الاختبار ، وانتصر علي رغبة جسده في الكل ، وانتصر علي حواس جسده التي رات الشجرة فإذا هي شهية للنظر … لو نجح في تلك التجربة ، لكان ذلك برهاناً علي أن روحه قد غلبت شهوات جسده ، وحينئذ كان يستحق أن يأكل من شجرة الحياة …


ولكنه انهزم أمام الجسد ، فأخذ الجسد سلطانا عليه .
وظل الإنسان يقع في خطايا عديدة من خطايا الجسد ، واحدة تلو الأخري ، حتى أصبحت دينونة له أن يسلك حسب الجسد وليس حسب الروح ( رو 8: 1) .

وجاء السيد المسيح ، ليرد الإنسان إلي رتبته الولي .
ولما كان الإنسان الأول قد سقط في خطية الكل من ثمرة محرمة خاضعاً لجسده ، لذلك بدا المسيح تجاربه بالإنتصار في هذه النقطة بالذات ، بالانتصار علي الكل عموماً حتي المحلل منه . بدأ المسيح خدمته بالصوم ، ورفض إغراء الشيطان بالكل لحياة الجسد ، أظهر له السيد المسيح ان الإنسان ليس مجرد جسد ، ، إنما فيه عنصر آخر هو الروح . وطعام الروح هو كل كلمة تخرج من فم الله ، فقال له :
" ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله " ( متي 4:4) .
ولم تكن هذه قاعدة روحية جديدة ، أتي بها العهد الجديد ، إنما كانت وصية قديمة أعطيت للإنسان في اول شريعة مكتوبة ( تث 8: 3) . وقد قيل عن حنه النبية إنها كانت " لاتفارق الهيكل عابده بأصوام وطلبات "( لو 2: 37)
وصام الرسل
في العهد الجديد ، كما صام المسيح ، صار رسله أيضاً ..
وقد قال السيد المسيح في ذلك " حينما يرفع عنهم العريس حينئذ يصومون " ( متي 9: 15) … وقد صاموا فعلاً . وهكذا كان صوم الرسل أقدم وأول صوم صامته الكنيسة المسيحية . وقيل عن بطرس الرسول إنه كان صائماً حتى جاع كثيراً واشتهي ان يأكل ( أع 10: 10) فظهرت له الرؤيا الخاصة بقبول الأمم . وهكذا كان إعلان قبول الأمم في أثناء الصوم . وليس الرسل كان يخدم الرب " في اتعاب في أسهار في أصوام "( 2 كو 6: 5) ، بل قيل عنه " في أصوام مراراً كثيرة " ( 2 كو 11: 27 ) . وقيل إنه صام ومعه برنابا ( اع 14: 23) .

وفي أثناء صوم الرسل ظن كلمهم الروح القدس …
إذ يقول الكتاب " وفيما هم يخدمون الرب ويصومون ، قال الروح القدس : إفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه . فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما اليادي "( أع 13: 2، 3) . وما اجمل ما قاله الرب للرسل عن الصوم وعلاقته بإخراج الشياطين :
" هذا الجنس لا يخرج بشئ ، إلا بالصلاة و الصوم " ( مت 17: 21) . إلي هذه الدرجة بلغت قوة الصوم في إرعاب الشياطين . وبم يكن الصوم قاصراً علي الأفراد ، إنما كان الشعب كله يصوم …
صوم الشعب كلةويدخل في العبادة الجماعية ( وهو غير الصوام الخاصة ).

فيه تجتمع كل قلوب الشعب معاً ، في تذلل امام الله . وكما اعتاد الناس أن يصلوا معاً واحدة ، وبنفس واحدة ، في صلاة جماعية يقدمونها لله ( أع 4: 24) ، وهذه غير الصلوات الخاصة التي في المخدع المغلق ، كذلك في الصوم :
هناك أصوام ، لها أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس :

يشترك فيها جميع المؤمنين معاً ، بروح واحدة ، يقدمون صوماً واحداً لله . إنه صوم للكنيسة كلها … ولعل أبرز مثال له الصوم الذي صامه كل الشعب لما وقع في ضيقة أيام الملكة أستير حتي يصنع الرب رحمة ( إس 4: 3، 16) . وصام الجميع بالمسوح و الرماد والبكاء ، وسمع الرب لهم وأنقذهم . وكما صام الشعب كله بنداء عزرا الكاهن علي نهر أهوا متذللين أمام الرب ( عز 8: 21، 23) ، كذلك إجتمعوا كلهم بالصوم مع نحميا وعليهم

مسوح وتراب ( نج 9: 1) . وكذلك صام الشعب أيام يهوشافاط ( 2 أي 20: 3) . ويحدثنا سفر أرمياء النبي عن صوم الشعب في أيام يهوياقيم بن يوشيا ( أر 36: 9) . وصوم آخر جماعي في أيام يوئيل النبي ( يوئيل 3: 5) . ومن الأصوام الجماعية أيضاً :" صوم الشهر الرابع ، وصوم الخامس ،وصوم الخامس ، وصوم السابع ، وصوم العاشر "( زك 8: 19) .
والصوم معروف في كل ديانة .

وقد صام الأمم …
ولعل أبرز مثال له صيام أهل نينوي ( يون 3) . وكيف أن الله قبل صومهم ، وغفرلهم خطاياهم . وكذلك كرنيليوس قائد المائة ( أع 10: 30)) . وكيف قبل الله صومه ، وارسل إليه بطرس الرسول الذي وعظه وعمده . ويحدثنا العهد القديم عن صوم داريوس الملك أثناء تجربة دانيال النبي، وكيف " بات صائماً ، ولم يؤت قدامه بسراريه " ( دا 6: 18) .
الصوم معروف في كل ديانة ، حتى الديانات الوثنية و البدائية . مما هلي أنه معروف منذ القدم قبل أن يفترق الناس .

والذي يقرأ عن البوذية و البراهمية و الكنفوشيوسية ، وعن اليوجا أيضاً ،يري أمثلة قوية عن الصوم ، وعن قهر الجسد لكي تأخذ الروح مجالها . والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضاً . وفي حياة المهاتما غاندي الزعيم الروحي الشهير للهند ، نري الصوم من أبرز الممارسات الواضحة في حياته . وكثيراً ما كان يواجه به المشاكل . وقد صام مرة حتي قال الأطباء عن دمه بدأ يتحلل …

وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات الروح …
هذه الطاقة الروحية التي كانت محتجبة وراء الاهتمام بالجسد وقد عاقها الجسد عن الظهور ولم يكتشفوها إلا بالصوم … ويري الهندوس أن غاية ما يصلون إليه هو حاله ( النرفانا ) أي انطلاق الروح من الجسد للإتحاد بالله ، لا يمكن أن يدركوها إلا بالنسك الشديد والزهد و الصوم … وهكذا نجد أنه حتى الروح البعيده عن عمل الروح القدس ، التي هي مجرد روح تنطلق من رغبات الجسد ومن سيطرته بالتداريب ، تكون روحاً قوية ، تصل إلي بعض طاقاتها الطبيعية ، فكم بالحري التي إلي جوار هذه القوة الطبيعية تكون مشتركة مع روح الله …؟

الصوم هبة
وإن عرفنا فوائد الصوم ، نجد أنه هبة من الله .
نعم ، ليس الصوم مجرد وصية من الله إنما هو هبة إلهية . إنه هبة ونعمة وبركة … إن الله الذي خلقنا من جسد ومن روح ، إذ يعرف أننا محتاجون إلي الصوم ، وان الصوم يلزم حياتنا الروحية لأجل منفعتها ولأجل نمونا الروحي وأبدتنا لذلك منحنا ان نعرف الصوم ونمارسه . وأوصانا به كأب حنون وكمعلم حكيم .