مرحباً بكم في مدونة نيافة الحبر الجليل الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة وتوابعها وهى تشمل عظاته ومحاضراته التي يلقيها على طلبة الكلية الإكليريكية وصوره وأعماله في الإيبارشية وموضوعات أخرى

الأحد، 20 مارس 2011

الشيطان يغير خططة


إن الشيطان لا يصر على خط معين فى محاربته للإنسان 0 إنما ما أسهل أن أن يغير خطه وخططه ، إن كان ذلك يوصله إلى سقاط من يريد 0
وسنضرب لذلك بعض أمثلة :
1-شاب كان يحاربه الشيطان بالزنا حرباً عنيفة ويتعبه فيها ويسقطه أحيانا 0 فبدأ هذا الشاب فى حياة توبة ، واصبح يحترس من هذه الخطية بالذات إحتراساً شديداً : يبعد عن كل أسبابها 0 ويسد كل الأبواب التى تأتى منها الخطية ، سواء كانت من القراءات أو السماعات أو اللقاءات 0 وفى نفس الوقت يقوى نفسه من الداخل بكل الوسائط الروحية ، ويصلى إلى الله بدموع لكى ينقذه 0

فماذ يفعل الشيطان إزاء هذا الحرص الشديد من خطية الزنا ؟
يقول : أتركه الآن ، لا أحاربه بهذه الخطية فترة طويلة ، حتى يظن أنه انتصر عليها تماماً ، فلا يحترس من جهتها 0 و لنحارب حالياً بخطية أخرى 00 ويتركه سنة أو إثنتين أو ثلاثاً ، بلا حروب في هذه الخطية ، بلا عثرات ، بلا أفكار . ويلقيه مثلاً في خطية كالكبرياء ... يري المسكين أنه نجا من الزنا ، فيفرح . ويغريه الشيطان بمستوي عال في الصوم ، في القراءة ، ثم في الخدمة ، وفيما هو مستريح الفكر من الخطئة ، ومستريح في منهجة الروحي ، يدعوه الشيطان إلى تطبيق هذا المستوي على غيره . ويريه أنهم مقصرون ، وأنه فاقهم بمراحل ، فيوقعه في الكبرياء . ويدعوه إلى توبيخهم وتبكتهم وإدانتهم :

أبوك لا يصلي . أمك لا تصوم . إخوتك لا يتناولون . أسرتك لا تقرأ الكتاب . إذهب ووبخهم ، وبشدة ... ويمتد نطاق التوبيخ واحتقار الآخرين ، وشتيمة واحتقار هؤلاء وأولئك ، لأنهم بعيدون عن الله ، مع تعالي القلب بما وصل إليه . وفيما هو يحاول أن يخلع الزوان ، يصير هو نفسه زوناً . إذ أصبح باسم الحق يشتم ، ويحتد ، ويدين ويحتقر ، ويتعالي على غيره ، ويسبح في الغرور والكبرياء ، يقول كالفريسي " أشكرك يارب إني لست مثل سائر الناس ... " ( لو18 : 11 ) . وتسأل الشيطان عن خطية الزنا التي أراح منها هذا الشاب ؟

فيجيب : الذي يهلك بالكبرياء ، كالذي يهلك بالزنا . كلاهما هالك .
أليس أن الذي يموت بالسل ، كالذي بالسرطان ، كالذي في عميلة جراحية ؟ كله موت ... والنهاية واحدة ... " تعددت الأسباب ، والموت واحد " ... أما حرب الزنا التي يظن هذا الشاب أنه قد نجا منها ، ففي الحقيقية أن لها يوماً تعود فيه إليه ، حينما يقل يفيق منها . وتسأله كيف ؟ فيقول : في الفترة التي استراح فيها الشاب من حرب الزنا ، ظن أنها فارقته بلا عودة ، ولم يعد لها وجود في حياته ، وأنها من الخطايا التي تحارب المبتدئين فقط . ولا يعقل أن تحارب المستويات العليا التي وصل إليها ! بل إن كثيريرن أصحبوا يسترشدون به في مقاومة هذه الخطية .

وهكذا أصبح يسمع تفاصيل عن هذه الخطية ما كان يسمح لنسه أن يسمعها من قبل . وبعض أمور خافيه عن معرفته صار يقرأ لها كتباً في هذا الموضوع المعثر ، ليرد على أسئلة سائليه ، وما كان يقرأ هذه القراءات مطلقاً فى فترة حرصه واحتراسه ! وهكذا امتلأ ذهبه بأفكار صارت تترك فى نفسه مشاعر وتأثيرات ، تنمو بمرور الوقت وهو لا يدرى . إلى جوار أنه بسبب الكبرياء وإدانة الآخرين ، بدأت النعمة تتخلى عنه . وهنا أتت الساعة التى يضربه فيها الشيطان بهذه الخطية بالذات . ويسهل عليه إسقاطه . وتكون خطة الشيطان قد نجحت على الرغم من تغييرها فى الطريق ...

وهنا يقول الشيطان : إننى أرحته زمناً من هذه الخطية ، لكى لا يستعد لها . وحينما لا يستعد لها ، لا يدقق . وفى عدم تدقيقه يتساهل مع الخطية وأفكارى . وفى هذا التراجى وتساهله مع ، أضربه بالخطية التى استراح منها سنوات . فيسقط بسهولة هذا هو الشيطان ... ! قد لا يحاربك الآن بخطية معينة ، ليس محبة منه لك ، إنما لأنه لا يجهز لك فخاً من نوع آخر .

ب - مثال آخر : إنسان.
آخر ساقط فى الخطية الغضب ، وخطية الإدانة ، وخطايا السب والكلام الجارح . بدأ يستيقظ لنفسه ، ويدخل بقوة فى تداريب صمت ، ليتخلص من خطايا اللسان جملة . فماذا يفعل الشيطان ؟
يقول : لا مانع من أن نغير الخطة . وبدلاً من محاربته بخطايا اللسان والغضب ، نحاربه بخطية الغرور مثلاً ... بحيث يقتنع تماماً ، أنه لا يوجد إنسان أفضل منه . وكيف ذلك ؟ نريحه من خطايا اللسان تماماً ، فلا نحاربه بها الآن مطلقاً . وننصحه بشئ من النمو الفجائى فى العمل الروحى ، بلون من المغالاة ، ولا نحاربه فى ذلك .ويظن أن لا يوجد مثله ، فيسلك في الغرور . وربما يختلف مع أب اعترافه الذي لا يوافقه على تطرفه وغروره ، فلا يأبه . ويصبح في وضع لا يخضع فيه لأحد ، لا يطيع أحداً ، ولا يستشير أحداً ، ولا يحترم أحداً .

والغرور يسقطه ويهلكه ، بدون السقوط في خطايا اللسان . ومع ذلك فالغرور سيجعله يصطدم بالآخرين . ولابد سيقع في خطايا اللسان ، حتى بدون شيطان ! فكم بالأولي إذا حاربه الشيطان بها ... إن الشيطان التي تناسبه . إنه يعرف متي يحارب ، وكيف يحارب ، وبأي نوع .. ؟
والذي لا يسقط بهذه الطريقة يسقط بغيرها . والذي لا يسقط في هذه الخطية الآن ، مصيره أن يسقط فيها هي بذاتها ، فيما بعد ، والفخاخ كثيرة ، موجودة ومنصوبة .

ج - مثال ثالث في كيف يغير الشيطان خططه :
- بدأ الصوم الكبير . وكان الشيطان في العام الماضي يقاتل عن الأطعمة الحيوانية ؟! صم بالأحرى عن الخطية ، وحارب الحيوان الذي في داخلك .. لأنه ما فائدة الصوم بدون طهارة ونقاوة ؟! ألا يكون صومك غير مقبول ؟! فأجاب الشاب : بل أنا أنفذ قول الكتاب " إفعلوا هذه ، ولا تتركوا تلك " ( متى23 : 23 ) . فأحاول أن أصوم الصومين معاً . أصوم جسدي عن الطعام ، وأصوم نفسي عن شهوة الخطية " أقمع جسدي وأستعبده " ( 1كو9 : 27 ) بمنعه عن الأطعمة بمنعه عن الأطعمة الشهية ، أتعود بذلك قهر النفس فلا تخطئ .

•قال الشيطان : ولكنك ضعيف ، وصحتك لا تحتمل الصوم . ولابد تحتاج إلى البروتين الحيواني لتعيش ، وبخاصته وأنت في فترة نمو فأجابة الشاب بقول الرب " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان " ( متى4 :4 ) . وتذكر أن آدم وحواء كانا يعيشان على الثمار والبقول ، ثم عشب الأرض ( تك1 : 29 ، 3 : 18 ) . ولم يقل الكتاب إنهما مرضا لنقص البروتين الحيواني ! ...

• قال الشيطان : لا مانع إذن من أن تصوم . ولكن لا داعي لأن تصوم الصوم كله من أوله ، فهذا كثير . وأيضاً لا تضغط على نفسك في الصوم ، لئلا يحاربك الشيطان بالمجد الباطل ! وأنت تعرف حروب الشياطين ، وخطورة ضربات اليمين . أجاب الشاب : لا أريد أن أتهاون . فالرب يدعونا إلى الكمال ( متى5 : 48 ) . ومهما صمت ، ماذا يكون صومي إذا قورن بأصوام القديسين ؟! إنه لا شئ ... وصام الشاب . وحل الصوم هذا العام ، والشاب في تصميمه .

الأحد، 6 مارس 2011

الحب الإلهي



هل أستطيع أن أتحدث عن الله أو أصف حبه؟! لابد أولاً أن أُطهر شفتي بالنار المقدسة، وأزيح عن قلمي تلك الغبار الملوثة، وأشد أوتار قلبي الذهبية وخيوط أفكاري الفضية॥ لكي تُعطيني القواميس الإلهية كلمات روحية أصف بها حب ربي! وإلاَّ كيف أصف شعلة روحانية تنبثق من قدس الأقداس لتسقط على الأبرار والأشرار كلاهما معاً؟! أو نهـراً بلورياً يسير مترنماً حاملاً في أعماقه أسرار السماء والأرض؟!

من يستطيع أن يصف شمس البر وهو يختفي في صدر الحياة المظلمة؟! أو زهرة السماء وهو يُسحق تحت أقدام الخطاة؟! أو شجرة الحياة وهو يٌقطع من أرض الأموات؟! تُرى من يستطيع أن يصف وجهاً يُعلن في كل دقيقة سراً من أسرار الله، هل يكفى أن نقول إنه أبرع جمالاً من بني البشر!

إن جمال يسوع كان غريباً كحلم لا يفسر أو فكر سماوي لا يُعبر عنه! جمال يسوع لم يكن في شعره المسترسل الذهبي بل في هالة الطهر المحيطة به، ولم يكن في عينيه الواسعتين الممتلئتين بحلاوة الحياة بل في النور المنبعث منهما، ولا في شفتيه الورديتين بل في الكلام العذب الخارج منهما، فيتساقط على قلوب الناس مثلما تتساقط قطرات الندى على تيجان الزهور।

أمام عظـم محبته يترك الفلاسفة كهوفهم المظلمة، والشعراء أوديتهم الخيالية، ويقفون جميعهم على جبلٍ عالٍ، صامتين مصغيين إلى صوت الحب يقول لقاتليه: يا أبتاه أغفر لهم!! فأي إنسان لم يرتشف من كأس حبه في إحدى كاساته؟ أي زهرة لم يسكب الصباح قطـرة من الندى بين أوراقها؟

لقد أحبنا، وبوشاح حبه الطاهر غمرنا، وقد ترك شعلته السمائية تتقد في صدورنا، لتلتهم ميولنا وعواطفنا الأرضية، ولؤلؤته الفريدة في قلوبنا، لتسطع بين انفعالاتنا المظلمة فتبددها॥ ألم تشعر مرة بملامس أيدي حريرية طاهرة، تقبض على روحك في وحدتـك فتمنيت ألا تتحرر من أسرها؟! ألم تتساءل مرة عن سر الأجنحة الروحائية التى رفرفت ولو مرة حول مضجعك، فنمت فرحاً والنور يملأ زوايا غرفتك، وخيالات يسوع تملأ قلبك؟!

وأخيراً مات البار ولف شبابه بالأكفان حباً فيك، وبصمت ينام في قلب الأرض الصامتة لينهض بالروح، ويخرج بجيوشه من الأرض التي تولد فيها الشمس إلى الأرض التي تُقتل فيها الشمس، لأنه سيكون لنا شمس وقمر ونجوم.. فاملأ قلبك بحب من أحبك لتصعد إلى السماء فتُُمسح مسحة روحية ثم يعود إلى الأرض، لا لتحيا كإنسان وإنَّما كملاك يرتدى زى إنسان!

الجمعة، 7 يناير 2011

جاء السيد المسيح ينشر الحب



أهنئكم يا أخوتي جميعا بميلاد السيد المسيح له المجد‏,‏ فميلاده هو بدء خير للبشرية جميعا‏.‏ لست أهنيء المسيحيين وحدهم‏,‏ بل أهنئي المصريين جميعا‏,‏ مسلمين ومسيحيين‏,‏ شاكرا الرئيس محمد حسني مبارك


الذي أمر بأن يكون عيد الميلاد عيدا وطنيا لمصر كلها‏.‏ إن احتفال المسيحيين ينبغي أن يرتفع بكل المقاييس فوق الأحزان‏,‏ لأنه لولا ميلاد المسيح‏,‏ ما كنا نحن مسيحيين‏,‏ وما كانت لنا الكنائس المسيحية والأعياد المسيحية‏,‏ والعقائد المسيحية‏,‏ وعلينا أن نتبع التعاليم التي نادي بها المسيح‏.‏

وأول هذه كلها‏:‏ أن السيد المسيح جاء ينشر الحب‏,‏ وما أعمق قول أحمد شوقي أمير الشعراء‏:‏ ولد الحب يوم مولد عيسي‏...‏
نعم‏,‏ انه حتي السيد المسيح نفسه‏,‏ كان حبا يتحرك في كل موضع مع جميع الناس‏.‏ كل من التقي به‏,‏ نال شيئا من حبه‏,‏ ومن عطفه وحنانه‏,‏ ومن قلبه المملوء بالرقة وبالإشفاق علي جميع الناس‏.‏

ولذلك قيل عنه انه كان يجول يصنع خيرا‏.‏ يري المرضي فيشفيهم‏,‏ والجياع فيطعمهم‏,‏ والمأسورين من الشياطين فيخرجها منهم‏,‏ كان يريح الكل‏,‏ لأنه يحب الكل‏....‏ فمثلا يمر علي مريض بيت حسدا‏,‏ المشلول الراقد الي جوار البركة‏38‏ سنة لا يهتم به أحد‏,‏ فيتحنن عليه‏,‏ ويقول له قم أحمل سريرك وإمش فيقوم ويمشي‏..‏ أو يري أرملة نايين وهي تبكي علي ابنها وحيدها الزعامات‏,‏ فيتحنن عليها ويقيم ذلك الإبن ويدفعه إلي أمه‏.‏

‏**‏ وكان في محبته يهتم بكل المحتاجين‏.‏ ويقول للمهتمين بهم كنت جوعانا فأطعمتموني‏,‏ عطشانا فسقيتموني‏,‏ عريانا فكسوتموني‏,‏ مريضا فزرتموني‏,‏ غريبا فآويتموني‏,‏ محبوسا فأتيتم الي‏.‏ وإذ يسألونه متي يارب رأيناك هكذا؟‏.‏ فيجيبهم الحق أقول لكم لا مهما فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر‏,‏ فبي قد فعلتم‏.‏ وهكذا فإنه لما رأي الجموع تحن عليهم‏,‏ إذ كانوا

منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها‏.‏
والسيد المسيح في محبته للكل‏,‏ فاضت محبته أيضا علي الجماعات التي كانت مستبعدة من اليهود فلا يتعامل معها‏.‏ مثل السامريين الذين كانوا اذا وقع ظل واحد منهم علي يهودي‏,‏ ينجسه‏!‏ هؤلاء أشفق عليهم السيد المسيح‏.‏ وقال لليهود مثل السامري الصالح الذي كان نبيلا أكثر من الكاهن واللاوي وأشفق علي يهودي ملقي في الطريق جريحا بين حي وميت‏..‏ وليس هذا فقط‏,‏ بل زار السيد المسيح مدينة السامرة‏,‏ وظل بأهلها حتي آمنوا‏.‏
ونفس الأمر مع الأمم المحتقرين من اليهود‏,‏ إذ قال عن قائد أممي لم أجد في إسرائيل كله

إيمانا مثل إيمان هذا الرجل
‏*‏ ومن اهتمام السيد المسيح بوصية المحبة‏,‏قال إنها الأولي في الناموس‏(‏ أي في الشريعة‏)‏ اذ تحب الرب الهك من كل قلبك‏,‏ وتحب قريبك كنفسك‏.‏
وتعني كلمة قريبك كل انسان‏.‏ لأن كل البشر أقرباء‏,‏ إذ أنهم جميعا أبناء لأب واحد هو آدم‏,‏ لأم واحدة هي حواء‏.‏

‏**‏ ووصلت قمة الدعوة إلي المحبة عند السيد المسيح الي أنه قال أحبوا أعداءكم‏,‏ باركوا لاعنيكم‏,‏ أحسنوا الي مبغضيكم‏,‏ وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويبغضونكم وإن سأل أحد قائلا‏:‏ ماذا أفعل إن لم أستطع أن أحب عدوي؟ فيكون الجواب‏:‏ علي الأقل إنك لا تكرهه‏,‏ ولا تحمل له حقدا في قلبك‏.‏ بل بالحري تسامحه‏,‏ وتغفر له‏,‏ وتصلي لأجله‏..‏

‏**‏ ومن اهتمام المسيح بالمحبة‏,‏ أنه قال ان الله محبة‏.‏ وقال أيضا هكذا أحب الله العالم أي أنه يحب الكل‏:‏ يحب القريبين منه بسبب برهم‏.‏ ويحب أيضا المبتعدين عنه‏,‏ لكيما بحبه يجذبهم اليه‏.‏ وذلك لأنه لا يشاء هلاك الخاطيء‏,‏ مثلما أن يرجع ويحيا‏..‏ ولأنه لا يعاملنا بحسب خطايانا‏,‏ بل بحسب رحمته‏.‏

‏**‏ ونحن أيضا نحب الله‏,‏ الذي أوجدنا إذ لم نكن‏,‏ والذي يرعانا ويحفظنا‏,‏ ولا نستطيع أن نحصي كل احساناته الينا‏.‏ كما أنه قدم لنا أمثولة عملية في كل فضيلة الي اكتسابها‏.‏ الهنا الغفور الطيب‏.‏

وفي محبتنا لله‏,‏ نطيعه ولا نخطيء اليه ولا الي أي واحد من رعيته‏.‏ بل نحاول في كل وقت أن ننفذ مشيئته الالهية في حدود إمكانياتنا‏,‏ وأن نفعل في كل حين ما يرضيه‏.‏
‏**‏ وفي نطاق وصية الحب‏,‏ علمنا السيد المسيح أن نحب الخير‏,‏ ونحب الغير‏.‏ ويقول لنا الكتاب إن كنت لا تحب أخاك الذي تراه‏,‏ فكيف إذن تحب الله الذي لا تراه؟‏!‏ ـ إذن فعدم محبتنا للناس‏,‏ تعني ضمنا عدم محبة لله الذي خلقهم والذي يهتم بهم جميعا‏..‏

‏**‏ والمفروض أن تكون محبتنا للغير محبة عملية‏,‏ فالكتاب يقول لا نحب بالكلام أو باللسان‏,‏ بل بالعمل والحق‏.‏ وأن تكون أيضا محبة صادقة حقيقية‏,‏ لا رياء فيها‏.‏ ولا مظهرية‏.‏ وأن تكون محبة دائمة‏,‏ لاتبدأ حينا ثم تختفي‏.‏ لأن السيد المسيح يعاتب من يفعل هذا قائلا له عندي عليك انك تركت محبتك الأولي‏.‏ ويجب أيضا أن تكون محبة للجميع‏,‏ وإلا صارت لونا من التحيز‏.‏ وأن نحب فيها الغرباء كما نحب الأقرباء‏.‏

‏**‏ ويعلمنا الكتاب أيضا أن المحبة بطبيعتها تكون بعيدة عن الحقد والإيذاء‏,‏ وأن المحبة تحتمل‏,‏ ولا تطلب ما لنفسها‏,‏ بل ما للغير‏.‏ والمحبة أيضا تظهر في العطاء الذي يصل في قمته إلي البذل‏,‏ بل الي حق بذل الذات لأجل الغير‏.‏

‏**‏ ليتنا نعيش في هذا الحب الذي علمنا المسيح أياه‏.‏ فنحب بعضنا بعضنا‏,‏ ونحب هذا الوطن العزيز الذي نعيش فيه ويعيش فينا‏,‏ ونطلب له السلام من جميع الأعداء المتربصين بنا‏.‏
إن مصر تستحق كل بركة وقد باركها الرب في سفر أشعياء النبي حينما قال مبارك شعبي مصر‏.‏
‏**‏ وبهذه المناسبة نشكر سيادة الرئيس مبارك الذي عزانا‏,‏ والذي هنأنا بالعيد‏,‏ وبهذا العام الجديد‏.‏ ونرجو له ولبلدنا كل خير‏

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

على جبل التجلى


علي جبل التجلي ، وقف ثلاثة يضيئون بنور مجيد وكانوا ثلاثتهم ممن أتقنوا الصوم … إذ صام كل منهم أربعين يوماً وأربعين ليلة إنهم : السيد المسيح له المجد ( متي 4: 2) ، وموسي ( خر 40 : 28 )، وإيليا ( 1 مل 19: 8) ،فهل يختفي وراء هذا المنظر البهي معني هام : وهو انه بقهر الجسد في الصوم ، تتجلي الروح ، ويتجلي الجسد ؟ هل اختار السيد المسيح معه في التجلي إثنين من الصوامين ، ليرينا أن الطبيعة التي ستتجلي في الأبدية ، هي التي قهرت الجسد بالصوم ؟ تري ماذا قيل عن الصوم أيضاً ؟ لقد قيل :

الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية ، فقد كانت الوصية التي أعطاها الله لأبينا آدم ، هي أن يمتنع عن الأكل من صنف معين بالذات ، من شجرة معينة ( تك 2: 16، 17) ، بينما يمكن أن يأكل من باقي الأصناف .

وبهذا وضع الله حدوداً للجسد لا يتعداها .
فهو ليس مطلق الحرية ، يأخذ من كل ما يراه ، ومن كل ما يهواه … بل هناك ما يجب أن يمتنع عنه ، أي أن يضبط إرادته من جهته . وهكذا كان علي الإنسان منذ البدء أن يضبط جسده . فقد تكون الشجرة " جيدة للكل ، وبهجة للعيون ، وشهية للنظر "( تك 3: 60) . ومع ذلك يجب الإمتناع عنها . وبالإمتناع عن الأكل ، يرتفع الإنسان فوق مستوي والجسد ، ويرتفع أيضاً فوق مستوي المادة ، وهذه هي حكمة الصوم.

ولو نجح الإنسان الأول في هذا الاختبار ، وانتصر علي رغبة جسده في الكل ، وانتصر علي حواس جسده التي رات الشجرة فإذا هي شهية للنظر … لو نجح في تلك التجربة ، لكان ذلك برهاناً علي أن روحه قد غلبت شهوات جسده ، وحينئذ كان يستحق أن يأكل من شجرة الحياة …


ولكنه انهزم أمام الجسد ، فأخذ الجسد سلطانا عليه .
وظل الإنسان يقع في خطايا عديدة من خطايا الجسد ، واحدة تلو الأخري ، حتى أصبحت دينونة له أن يسلك حسب الجسد وليس حسب الروح ( رو 8: 1) .

وجاء السيد المسيح ، ليرد الإنسان إلي رتبته الولي .
ولما كان الإنسان الأول قد سقط في خطية الكل من ثمرة محرمة خاضعاً لجسده ، لذلك بدا المسيح تجاربه بالإنتصار في هذه النقطة بالذات ، بالانتصار علي الكل عموماً حتي المحلل منه . بدأ المسيح خدمته بالصوم ، ورفض إغراء الشيطان بالكل لحياة الجسد ، أظهر له السيد المسيح ان الإنسان ليس مجرد جسد ، ، إنما فيه عنصر آخر هو الروح . وطعام الروح هو كل كلمة تخرج من فم الله ، فقال له :
" ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة تخرج من فم الله " ( متي 4:4) .
ولم تكن هذه قاعدة روحية جديدة ، أتي بها العهد الجديد ، إنما كانت وصية قديمة أعطيت للإنسان في اول شريعة مكتوبة ( تث 8: 3) . وقد قيل عن حنه النبية إنها كانت " لاتفارق الهيكل عابده بأصوام وطلبات "( لو 2: 37)
وصام الرسل
في العهد الجديد ، كما صام المسيح ، صار رسله أيضاً ..
وقد قال السيد المسيح في ذلك " حينما يرفع عنهم العريس حينئذ يصومون " ( متي 9: 15) … وقد صاموا فعلاً . وهكذا كان صوم الرسل أقدم وأول صوم صامته الكنيسة المسيحية . وقيل عن بطرس الرسول إنه كان صائماً حتى جاع كثيراً واشتهي ان يأكل ( أع 10: 10) فظهرت له الرؤيا الخاصة بقبول الأمم . وهكذا كان إعلان قبول الأمم في أثناء الصوم . وليس الرسل كان يخدم الرب " في اتعاب في أسهار في أصوام "( 2 كو 6: 5) ، بل قيل عنه " في أصوام مراراً كثيرة " ( 2 كو 11: 27 ) . وقيل إنه صام ومعه برنابا ( اع 14: 23) .

وفي أثناء صوم الرسل ظن كلمهم الروح القدس …
إذ يقول الكتاب " وفيما هم يخدمون الرب ويصومون ، قال الروح القدس : إفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه . فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما اليادي "( أع 13: 2، 3) . وما اجمل ما قاله الرب للرسل عن الصوم وعلاقته بإخراج الشياطين :
" هذا الجنس لا يخرج بشئ ، إلا بالصلاة و الصوم " ( مت 17: 21) . إلي هذه الدرجة بلغت قوة الصوم في إرعاب الشياطين . وبم يكن الصوم قاصراً علي الأفراد ، إنما كان الشعب كله يصوم …
صوم الشعب كلةويدخل في العبادة الجماعية ( وهو غير الصوام الخاصة ).

فيه تجتمع كل قلوب الشعب معاً ، في تذلل امام الله . وكما اعتاد الناس أن يصلوا معاً واحدة ، وبنفس واحدة ، في صلاة جماعية يقدمونها لله ( أع 4: 24) ، وهذه غير الصلوات الخاصة التي في المخدع المغلق ، كذلك في الصوم :
هناك أصوام ، لها أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس :

يشترك فيها جميع المؤمنين معاً ، بروح واحدة ، يقدمون صوماً واحداً لله . إنه صوم للكنيسة كلها … ولعل أبرز مثال له الصوم الذي صامه كل الشعب لما وقع في ضيقة أيام الملكة أستير حتي يصنع الرب رحمة ( إس 4: 3، 16) . وصام الجميع بالمسوح و الرماد والبكاء ، وسمع الرب لهم وأنقذهم . وكما صام الشعب كله بنداء عزرا الكاهن علي نهر أهوا متذللين أمام الرب ( عز 8: 21، 23) ، كذلك إجتمعوا كلهم بالصوم مع نحميا وعليهم

مسوح وتراب ( نج 9: 1) . وكذلك صام الشعب أيام يهوشافاط ( 2 أي 20: 3) . ويحدثنا سفر أرمياء النبي عن صوم الشعب في أيام يهوياقيم بن يوشيا ( أر 36: 9) . وصوم آخر جماعي في أيام يوئيل النبي ( يوئيل 3: 5) . ومن الأصوام الجماعية أيضاً :" صوم الشهر الرابع ، وصوم الخامس ،وصوم الخامس ، وصوم السابع ، وصوم العاشر "( زك 8: 19) .
والصوم معروف في كل ديانة .

وقد صام الأمم …
ولعل أبرز مثال له صيام أهل نينوي ( يون 3) . وكيف أن الله قبل صومهم ، وغفرلهم خطاياهم . وكذلك كرنيليوس قائد المائة ( أع 10: 30)) . وكيف قبل الله صومه ، وارسل إليه بطرس الرسول الذي وعظه وعمده . ويحدثنا العهد القديم عن صوم داريوس الملك أثناء تجربة دانيال النبي، وكيف " بات صائماً ، ولم يؤت قدامه بسراريه " ( دا 6: 18) .
الصوم معروف في كل ديانة ، حتى الديانات الوثنية و البدائية . مما هلي أنه معروف منذ القدم قبل أن يفترق الناس .

والذي يقرأ عن البوذية و البراهمية و الكنفوشيوسية ، وعن اليوجا أيضاً ،يري أمثلة قوية عن الصوم ، وعن قهر الجسد لكي تأخذ الروح مجالها . والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضاً . وفي حياة المهاتما غاندي الزعيم الروحي الشهير للهند ، نري الصوم من أبرز الممارسات الواضحة في حياته . وكثيراً ما كان يواجه به المشاكل . وقد صام مرة حتي قال الأطباء عن دمه بدأ يتحلل …

وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات الروح …
هذه الطاقة الروحية التي كانت محتجبة وراء الاهتمام بالجسد وقد عاقها الجسد عن الظهور ولم يكتشفوها إلا بالصوم … ويري الهندوس أن غاية ما يصلون إليه هو حاله ( النرفانا ) أي انطلاق الروح من الجسد للإتحاد بالله ، لا يمكن أن يدركوها إلا بالنسك الشديد والزهد و الصوم … وهكذا نجد أنه حتى الروح البعيده عن عمل الروح القدس ، التي هي مجرد روح تنطلق من رغبات الجسد ومن سيطرته بالتداريب ، تكون روحاً قوية ، تصل إلي بعض طاقاتها الطبيعية ، فكم بالحري التي إلي جوار هذه القوة الطبيعية تكون مشتركة مع روح الله …؟

الصوم هبة
وإن عرفنا فوائد الصوم ، نجد أنه هبة من الله .
نعم ، ليس الصوم مجرد وصية من الله إنما هو هبة إلهية . إنه هبة ونعمة وبركة … إن الله الذي خلقنا من جسد ومن روح ، إذ يعرف أننا محتاجون إلي الصوم ، وان الصوم يلزم حياتنا الروحية لأجل منفعتها ولأجل نمونا الروحي وأبدتنا لذلك منحنا ان نعرف الصوم ونمارسه . وأوصانا به كأب حنون وكمعلم حكيم .

الأحد، 8 أغسطس 2010

حياة الاتضاع والتسليم والاحتمال من فضائل القديسة مريم


كان الاتضاع شرطًا أساسيًا لمن يولد منها رب المجد. كان لابد أن يولد
من إنسانة متضعة، تستطيع أن تحتمل مجد التجسد الإلهي منها... مجد حلول الروح القدس فيها... ومجد ميلاد الرب منها، ومجد جميع الأجيال التي تطوبها واتضاع أليصابات أمامها قائلة لها "من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلىّ.. (لو1: 48، 43). كما تحتمل كل ظهورات الملائكة، وسجود المجوس أمام إبنها. والمعجزات الكثيرة التي حدثت من ابنها في أرض مصر، بل نور هذا الابن في حضنها.


وقد ظهر الاتضاع في حياتها كما سنرى: بشرها الملاك بأنها ستصير أمًا للرب، ولكنها قالت "هوذا أنا أمة الرب" (لو1: 38) أي عبدته وجاريته. والمجد الذي أعطي لها لم ينقص إطلاقًا من تواضعها. بل أنه من أجل هذا التواضع، منحها الله هذا المجد، إذ"نظر إلى اتضاع أمته" فصنع بها عجائب (لو1: 48، 49). كان "ملء الزمان" (غل4: 4) ينتظر هذه الإنسانة التي يولد ابن


• ظهر اتضاع العذراء أيضًا في ذهابها إلى أليصابات لكيما تخدمها في فترة حبلها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). فما أن سمعت أنها حُبلى- وهي في الشهر السادس- حتى سافرت إليها في رحلة شاقة عبر الجبال. وبقيت عندها ثلاثة أشهر، حتى تمت أيامها لتلد (لو39: 1- 65). فعلت ذلك وهي حبلى برب المجد.

عاشت قديسة طاهرة في الهيكل.. ثم جاء وقت قيل لها فيه أن تخرج من الهيكل. فلم تحتج ولم تعترض، مثلما تفعل كثير من النساء اللائي يمنعهن القانون الكنسي من دخول الكنيسة في أوقات معينة. فيتذمرن، ويجادلن كثيرًا في احتجاج..! • وكانت تريد أن تعيش بلا زواج فأمروها أن تعيش في كنف رجل حسبما تقضي التقاليد في أيامها.. • فلم تحتج وقبلت المعيشة في كنف رجل، مثلما قبلت الخروج من الهيكل...

• كانت تحيا حياة التسليم، لا تعترض: ولا تقاوم، ولا تحتج. بل تسلم لمشيئة الله في هدوء، بدون جدال. • كانت قد صممت على حياة البتولية، ولم تفكر إطلاقًا في يوم من الأيام أن تصير أمًا. ولما أراد الله أن تكون أمًا، بحلول الروح القدس عليها (لو1: 35) لم تجادل، بل أجابت بعبارتها الخالدة "هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك".. لذلك وهبها الله الأمومة، واستبقى لها البتولية أيضًا، وصارت أمًا، الأمر الذي لم تفكر فيه إطلاقًا.. بالتسليم، صارت أمًا للرب.. بل أعظم الأمهات قدرًا.

• وأمرت أن تهرب إلى مصر، فهربت.
وأمرت أن ترجع من مصر، فرجعت. وأمرت أن تنتقل موطنها من بيت لحم وتسكن الناصرة، فانتقلت وسكنت. كانت إنسانة هادئة، تحيا حياة التسليم، بلا جدال. لذلك فإن القدير صنع بها عجائب... إذ نظر إلى اتضاع أمته. تيتمت من والديها الإثنين، وهي في الثامنة من عمرها، وتحملت حياة اليتم. وعاشت في الهيكل وهي طفلة، واحتملت حياة الوحدة فيها. وخرجت من الهيكل لتحيا في كنف نجار واحتملت حياة الفقر.

ولما ولدت ابنها الوحيد، لم يكن لها موضع في البيت، فأضجعته في مزود (لو1 واحتملت المجد العظيم الذي أحاط بها، دون أن تتعبها أفكار العظمة.
لم يكن ممكنًا أن تصرح بأنها ولدت وهي عذراء، فصمتت واحتملت ذلك: 7). واحتملت ذلك أيضًا.. واحتملت المسئولية وهي صغيرة السن.. احتملت السفر الشاق إلى مصر ذهابًا وإيابًا واحتملت طردهم لها هناك من مدينة إلى أخرى، بسبب سقوط الأصنام أمام المسيح (أش19: 1).

احتملت الغربة والفقر. احتملت أن "يجوز في نفسها سيف" (لو2: 35) بسبب ما لقاه ابنها من اضطهادات وإهانات، وأخيرًا آلام وعار الصلب...
لم تكتف العذراء- سلبيًا بالآحتمال- بل عاشت في الفرح بالرب. كما قالت في تسبحتها "تبتهج روحي بالله مخلصي" (لو1: 47